ابن القاضي ( المكناسي )

141

ذيل وفيات الأعيان ( درة الحجال في أسماء الرجال )

« غرناطة » طامعا في نصرة البلد ودفاع العدو عنها ، فخرج الطاغية إليهم ، والتقى الجمعان ، فكانت الكرّة على المسلمين ، وقتل كثير من الرّجالة والفرسان ، وفي خلال ذلك خرج جمع من أهل البلد ، فاختلفوا إلى محلّة النصارى ، فنهبوا منها كلّ ما قدروا عليه . وفي يوم السبت الحادي والعشرين ضربوا ناقوسهم الكبير ، وكانوا لا يضربونه إلا لركوب طاغيتهم ، ودخلوا في السلاح بأجمعهم ، وأقبلوا محدقين بالبلد من جميع جهاته ، وأعدّوا للقتال أبراجا سامية من الخشب تندفع على عجلات ، وشحنوها بالرجال ، وهيئوا سلاليم عالية على الأسوار ، وأقبلوا يتقدمهم الرجال والرماة ، ويتلوهم الفرسان ، ففرّقوا ذلك على البلد ، فدافعهم المسلمون وطرحوا عليهم الزّفت والقطران ، ورموا بالنيران ، حتى فرّ النصارى عنها ، وتمكّن المسلمون من كثير منهم ، وكان هذا اليوم من الأيام العظام . وفي أوّل شهر ربيع الأخير أقبل جيش من حضرة « غرناطة » إلى « مرسانة » « 1 » ليرقبوا بها ، فضيّقوا على النصارى تصرّفاتهم ، وكانوا يخرجون من محلتهم صبيحة كلّ يوم في جمع وافر من الفرسان ينتجون من الوادي على دوابهم أنواع العصير ، وضروب الفواكه ، ويجلبون الخشب لأبنيتهم ، والحطب لوقودهم ، فخرجوا على عادتهم يوم الأربعاء عاشر شهر ربيع الأخير ، فلما بلغوا الوادي خرجت عليهم كمائن المسلمين فانهزموا أمامهم ، وقتلوا منهم مقتلة عظيمة ، وغنموا دوابّهم وأسلجتهم ، وكان عليهم في ذلك بوار وانكسار .

--> ( 1 ) احدى مدن إشبيلية ، جزيرة الأندلس ص 181 .